الشيخ محمد رشيد رضا
667
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أيضا أن رجلا أورد الآية على أسامة بن زيد وسعد بن مالك ( رض ) فقالا قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله للّه . وهذا وما قبله من رواية ابن مردويه في تفسيره وقال محمد بن إسحاق بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا ( حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) حتى لا يفتن مسلم عن دينه فَإِنِ انْتَهَوْا أي فان انتهوا عن الكفر وعن قتالكم فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيهم عليه بحسب علمه . وقرأ يعقوب ( تعملون ) بالتاء الفوقية بالخطاب . وفي سورة البقرة ( 2 : 193 وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ . فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) * * * وَإِنْ تَوَلَّوْا وأعرضوا عن سماع تبليغكم ولم ينتهوا عن كفرهم وفتنتهم وقتالهم لكم فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ أي فأيقنوا أن اللّه تعالى هو ناصركم ومتولي أموركم فلا تبالوا بهم ولا تخافوا فهو نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ هو فلا يضيع من تولاه ولا يغلب من نصره ( فان قيل ) إن انتصار المسلمين في القرون الأولى كان لأسباب اجتماعية فلما تغيرت هذه الأسباب خانهم النصر حتى فقدوا أكثر ممالكهم ، وإننا لنرى الأمم ينتصر بعضها على بعض بالاستعداد المادي من سلاح وعتاد وبالنظام الحربي الذي جهله المسلمون بغرورهم بدينهم واتكالهم على خوارق العادات ، وقراءة الأحاديث والدعوات ، ولذلك تركه ساسة الترك وأسسوا لأنفسهم حكومة مدنية إلحادية تناهض الاسلام ، ويوشك أن يتبعهم ساسة المصريين والأفغان . ( قلنا ) إن ما ذكره المعترض وهو واقع لا مفروض - حجة على المسلمين المتأخرين لا على الاسلام ، فالاسلام يأمر باعداد القوى المادية ، ويضيف إليها القوى المعنوية ، ومنها بل أعظمها الايمان باللّه ودعاؤه والاتكال عليه باتفاق العقلاء حتى الماديين منهم ، ولم يشرع للناس الاتكال على خوارق العادات ، حتى في أيام الرسول المؤيد بالآيات البينات ، ولما غلب المسلمون في وقعة أحد لتقصيرهم في الأسباب وتعجبوا من ذلك أنزل اللّه تعالى ( أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا ؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) وقد وفينا هذا البحث حقه في تفسير هذه الآية وأمثالها من الآيات التي نزلت لتلك الغزوة من سورة آل عمران وسنعود اليه في تفسير آية ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ